محمد داوود قيصري رومي

340

شرح فصوص الحكم

الملكوت ، كالنفس الكلية والنفوس المجردة السماوية والعنصرية البسيطة والمركبة ، على أن ما في الوجود شئ إلا وله من الجبروت والملكوت عقل ونفس ، ومنهم النفوس المنطبعة في الأجرام العلوية والسفلية ، ومنهم القوى الجسمانية التي هي سدنة النفوس المنطبعة ، ومنهم الجن والشياطين . ولا يطلق القوى إلا على التوابع من القوى الروحانية والنفوس المنطبعة وتوابعها ، كما يقال : قوى الروح وقوى القلب . ولا يجعل ( القلب ) و ( الروح ) قوة من القوى ، لأنهما سيدا جميع المظاهر . وإنما عبر عن ( العالم ) في الاصطلاح القوم ، أي أهل التصوف ، ب‍ ( الإنسان الكبير ) لأن جميع ما في العالم عبارة عن مجموع ما اندرج في النشأة الإنسانية ، كما مر التنبيه عليه من أن أعيان العالم هو تفصيل النشأة الإنسانية ، فالإنسان عالم صغير مجمل صورة ، والعالم إنسان كبير مفصل . وإنما قيد ( صورة ) لأن الإنسان هو العالم الكبير مرتبة ، والعالم هو الإنسان الصغير درجة ، لأن الخليفة مستعلية على ما استخلف عليه . فقوله : ( فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي هي في النشأة الإنسانية ) نتيجة لما ذكره . أي ، لما كانت الملائكة من بعض قوى صورة العالم والعالم هو الإنسان الكبير ، صارت نسبة الملائكة إلى العالم كنسبة القوى الروحانية والحسية إلى الإنسان ، فكما أن النفس الناطقة المدبرة للبدن مدبر بالقوى الروحانية التي هي العقل النظري والعملي والوهم والخيال وما شابهها والحيوانية والنباتية كالحواس الخمس الظاهرة والغاذية والنامية والمولدة للمثل وغيرها ، كذلك النفس الكلية مدبرة للعالم كله بواسطة الملائكة المدبرة ، كما قال تعالى : ( فالمدبرات أمرا ) . وهي روحانيات الكواكب السبعة وغيرها من الثوابت وأجرامها . قوله : ( وكل قوة منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها ) أي ، كل واحدة من هذه القوى الروحانية سواء كانت داخلية في النشأة الإنسانية أو خارجية منها ، محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من نفسها ، كالملائكة التي نازعت